محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
33
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
إليّ من هذه . . ثم ذكر الحديث الذي ذكرناه ( من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يعلم ) ثم قال لأحمد بن أبي الحواري : - صدقت يا أحمد ، وصدق شيخك . ولأجل كون هذه الأشياء أضداد عجب المؤلف ، رحمه اللّه ، ممن يعتقد صحة اجتماعها ، وممن طمع في نيل مراتب الرجال مع كونه على أقبح الخلال . الكون كله ظلمة ، وإنما أناره ظهور الحق فيه . . فمن رأى الكون ، ولم يشهده فيه ، أو عنده ، أو قبله ، أو بعده ، فقد أعوزه وجود الأنوار ، وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار . العدم ظلمة ، والوجود نور ، فالكون بالنظر إلى ذاته عدم مظلم ، وباعتبار تجلّي نور الحق عليه وظهوره فيه وجود مستنير ، ثم اختلف أحوال الناس هاهنا : فمنهم من لم يشاهد إلا الأكوان ، وحجب بذلك عن رؤية المكوّن ، فهذا تائه في الظلمات ، محجوب بسحب آثار الكائنات . ومنهم من لم يحجب بالأكوان عن المكوّن ، ثم هم في مشاهدتهم إياء فرق فمنهم : من شاهد المكوّن قبل الأكوان ، وهؤلاء هم الذين يستدلّون بالمؤثّر على الآثار . ومنهم من شاهده بعد الأكوان وهؤلاء هم الذين يستدلون بالآثار على المؤثر . ومنهم من شاهده مع الأكوان ؛ والمعيّة هاهنا إما معيّة اتصال وهو شهوده في الأكوان ، وإما معية انفصال ، وهو شهوده عند الأكوان ، وهذه الظروف المذكورة ليست بزمانية ولا مكانية ، لأن الزمان والمكان من جملة الأكوان ، والاتصال والانفصال المذكوران ليسا على ما يفهم من معانيهما ، فإنهما أيضا من جملة الأكوان . ومعرفة تفصيل هذه الأمور والتفرقة بين هذه الحقائق على ما هي عليه موكول إلى أربابه ، فلنقتصر على ما ذكرناه ، فهاهنا زلت أقدام كثير من الناس فتكلموا بكلمات موهمة ، وعبروا بعبارات منكرة في الشرع فكفّروا بذلك ، وبدّعوا فاعتقد كمال التنزيه وبطلان التشبيه ، وتمسّك بقوله عز وجل : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] لا إله غيره . مما يدلك على وجود قهره سبحانه ، أن حجبك عنه بما ليس بموجود معه . اتفقت مقالات العارفين والمحققين وإشاراتهم ومواجيدهم على ما ذكرناه قبيل هذا من أن ما سوى اللّه تعالى عدم محض ، من حيث ذاته ، لا يوصق بوجود مع اللّه سبحانه وتعالى ، إذ لو وصف به لكان ذلك شركة وإثنينية ، وهو مناقض لإخلاص التوحيد . قال